أول كلاب في الفضاء
انطلقت أول رحلة فضائية مأهولة في 12 أبريل 1961، ولا تزال تُدرّس في المدارس حتى اليوم. أما الأبطال الآخرون، فهم أقل شهرة، وهم الكلاب التي مهدت الطريق بشجاعة لاستكشاف الفضاء. ضحّت هذه الكلاب أحيانًا بصحتها، وأحيانًا أخرى بحياتها.
أُجري أكبر عدد من التجارب الفضائية التي شملت الكلاب في خمسينيات وستينيات القرن العشرين. وكانت هذه التجارب مكثفة للغاية آنذاك، إذ كان السباق محتدماً لتحقيق أول رحلة فضائية مأهولة. وقد أُطلق أكبر عدد من رواد الفضاء الكلاب على متن مركبات فضائية من الاتحاد السوفيتي والصين.

محتوى
الحيوانات الأكثر ملاءمة
قبل أن تتمكن البشرية من عبور الحدود الفاصلة بين الغلاف الجوي العلوي والفضاء، تقرر أن تكون الحيوانات هي الرواد. تم اختيار نوعين مرشحين: الكلاب والقرود.
خلال عملية الاختيار، اكتشف العلماء أن القرود كانت أقل قابلية للتدريب والانضباط، وغالبًا ما أظهرت طبيعة متقلبة وتصرفت بقلق وعدم استقرار. أما الكلاب، من ناحية أخرى، فكانت أكثر استعدادًا للتفاعل مع الباحثين وأقل عرضة للتوتر.
أكد العلماء أن الكلاب المستخدمة في الدراسة يجب أن تكون كلابًا هجينة عادية، تم جمعها من الشوارع. وذلك لأنها خضعت بالفعل لعملية انتقاء طبيعي، وبالتالي تتمتع بخصائص بدنية ممتازة.
كانت السلالات النقية أدنى بشكل ملحوظ في الخصائص التالية:
- مناعة ممتازة واحتياطيات تعافي ممتازة للجسم؛
- القدرة على الابتكار والتعلم؛
- البساطة في الطعام والهضم الممتاز؛
- الإخلاص والرغبة في إرضاء الناس.

تم تطبيق متطلبات خاصة على المعايير الفيزيائية:
- لا يزيد ارتفاعها عن 35 سم ولا يزيد وزنها عن 6 كجم - كان هذا مطلوبًا بناءً على حجم الكبائن في الصواريخ؛
- الشعر القصير – ضروري لتثبيت أجهزة الاستشعار بإحكام على الجسم؛
- الإناث - كان من الأسهل عليهن تطوير نظام تصريف البول في الفضاء؛
- العمر - من سنتين إلى 6 سنوات؛
- لون المعطف الأبيض - للحصول على أفضل مظهر على شاشة التلفزيون.
تم إطلاق الحيوانات إلى الفضاء في أزواج لضمان الحصول على نتائج متوسطة.
صواريخ جيوفيزيائية
أُجريت الأبحاث المتعلقة بإطلاق الكلاب إلى الفضاء على متن هذا النوع من الطائرات على ثلاث مراحل:
- وصل ارتفاع الصاروخ إلى 100 كيلومتر. بلغت سرعته 4200 كيلومتر في الساعة، مع تسارع هائل وقوى جاذبية تصل إلى 5.5 وحدة. تم تثبيت الحيوانات بأحزمة خاصة داخل صوانٍ. بعد الوصول إلى أقصى ارتفاع، هبطت المقصورة الأمامية التي تحمل الكلاب بالمظلات إلى الأرض. غالبًا ما أسفرت التجارب عن إصابات طفيفة للحيوانات، وفي بعض الأحيان عن نفوقها.
- تصل الارتفاعات إلى 110 كيلومترات. كانت الحيوانات تُقذف داخل بدلات الفضاء باستخدام المظلات، وأحيانًا يعود واحد فقط من الرفيقين، وأحيانًا أخرى تنجح المهمة. لم تتجاوز مدة هذه الرحلات 20 دقيقة.
- يصل الارتفاع إلى 450 كيلومترًا. في هذه المرحلة، هبطت الحيوانات دون قذف، في حجرة مقدمة الصاروخ. في بعض الأحيان، انضمت أنواع أخرى (أرانب، جرذان، فئران) إلى الكلاب. خلال إحدى الرحلات، كانت الحيوانات تحت تأثير التخدير العام.

تقدم الاختبار
تم تصنيف بيانات الرحلات الجوية بشكل سري للغاية. أُطلقت أسماء مستعارة على الحيوانات، مما أدى إلى حدوث ارتباك بشأن المشاركين لفترة طويلة.
تمّ اختيار الكلاب بناءً على توافقها النفسي ومستوى راحتها، لذا لم يكن بالإمكان تبديلها. تعرّضت إحدى الرحلات الجوية للخطر عندما هرب أحد الكلاب، المُقرر سفره في اليوم التالي، أثناء نزهة مسائية. لكنه عاد في صباح اليوم التالي وبدأ يلعق أيدي الناس بتعبيرٍ يوحي بالذنب. تمت الرحلة في موعدها.
عامل العلماء الحيوانات بمودة بالغة: فرغم أن نظامها الغذائي كان متوازنًا ومنسقًا بدقة، إلا أن الجميع حاولوا تهريب بعض الطعام اللذيذ من منازلهم لحيواناتهم الأليفة. حتى كوروليف، الذي أشرف على جميع الاختبارات وجلسات التدريب والتجارب ودعا إلى الالتزام بالتعليمات، لم يستطع مقاومة إغراء إطعام حيواناته الأليفة. تأثر بشدة بإصابات كل كلب وفقدانه، ليس فقط كعقبة أمام تقدم علم رواد الفضاء، بل أيضًا كمسؤولية شخصية تجاه حيواناته الوفية. وقد أعاد موظفو مركز الاختبار العديد من الحيوانات الأليفة إلى منازلهم بعد إتمام مهامهم.
بايونير
كان أول كلب يدخل المدار يبلغ من العمر عامين يحبأطلق عليها طاقم مركز الاختبار هذا اللقب لأنها كانت تنبح بصوت عالٍ وبشكل متكرر. اسمها الحقيقي كودريافكا. قبل رحلتها الفضائية، زُرعت لها جراحياً أجهزة مراقبة التنفس ومعدل ضربات القلب. وتمّ تعويدها تدريجياً على مقصورة المركبة الفضائية لتشعر وكأنها في بيتها. ولتحقيق ذلك، كانت تقضي وقتاً قصيراً كل يوم في الحجرة التي ستقيم فيها بعد الإقلاع.
قبل الإطلاق، كانت لايكا ترتدي بدلة خاصة، موصولة بالمعدات بواسطة أسلاك. كانت الأسلاك طويلة بما يكفي لتغيير وضعية جسدها: إذ كان بإمكانها الوقوف والجلوس والاستلقاء بحرية.
في الثالث من نوفمبر عام ١٩٥٧، أُطلقت المركبة الفضائية لايكا إلى الفضاء. كان من المقرر أن تستمر رحلتها أسبوعًا، لكنها تعطلت بعد إتمام أربع دورات حول الأرض في غضون ست إلى سبع ساعات. كان سبب التعطل هو ارتفاع درجة الحرارة نتيجة خطأ في التصميم. استمرت المركبة الفضائية في الدوران حول الأرض حتى أبريل عام ١٩٥٨، عندما احترقت في طبقات الجو العليا.
تم التكتم على نبأ وفاة لايكا، واستمرت الأخبار حول حالتها الصحية لأسبوع آخر، ثم أفادت وسائل الإعلام بأنه تم قتلها الرحيم. أثار هذا الخبر جدلاً واسعاً، واستُقبل بحزن في وسائل الإعلام الغربية.
بيلكا وستريلكا
كانت الخطوة التالية في استكشاف الفضاء هي إعادة الكائنات الحية بنجاح إلى الأرض. ويكمن التحدي في قدرة الحيوانات على البقاء لفترة طويلة في حيز ضيق. فعلى الرغم من أن الرحلة كانت مُخططة لتستغرق يومًا واحدًا تقريبًا، إلا أن الكلاب دُرّبت على البقاء ثمانية أيام في المدار.
كان هناك العديد من المتنافسين على هذه المرحلة المثيرة من استكشاف الفضاء، لكن بيلكا وستريلكا برزتا كمرشحتين قويتين. كانت بيلكا نشيطة للغاية وقادت الطريق في جميع المهام. أما ستريلكا، فكانت متحفظة للغاية، لكنها حنونة وودودة للغاية.
انطلقت المركبة الفضائية في 19 أغسطس 1960. في البداية، وبعد دخولها المدار، ارتفع معدل ضربات قلب الحيوانات ومعدل تنفسها، لكن جميع المؤشرات عادت إلى طبيعتها في غضون فترة وجيزة. ولأول مرة، تم توفير خدمة التتبع التلفزيوني، مما سمح للعلماء على الأرض بتلقي مقاطع فيديو من المركبة الفضائية.
تعافت بيلكا وستريلكا بسرعة في الفضاء، لكن في مرحلة ما، تدهورت حالة بيلكا. بدأت تتقيأ وأصبحت مضطربة. بعد الهبوط، أظهرت الفحوصات أن الحيوانين كانا يعانيان من الإجهاد، لكن حالتهما استقرت بسرعة.

سرعان ما أصبحت الكلاب نجوماً، وانتشرت صورها ومقاطع الفيديو الخاصة بها في جميع أنحاء العالم. واستمرت الحيوانات الأولى التي عادت بنجاح من الفضاء في العيش في مركز الأبحاث. وبعد بضعة أشهر من رحلتها الفضائية، أنجبت ستريلكا ستة جراء بصحة جيدة.
عاش الكلبان عمراً مديداً تحت رعاية الدولة.
مثّلت رحلتهم الخطوة الأخيرة في تاريخ رحلات الفضاء البشرية. لكن رحلات الكلاب لم تنتهِ عند هذا الحد، بل تستمر حتى اليوم، ولكن برفقة رفاق جدد على متنها - رواد الفضاء. وجودهم يُتيح دراسة ومراقبة الكيمياء الحيوية، وعلم الوراثة، وعلم الخلايا للكائنات الحية في الفضاء.
مهمات ناجحة وعودة إلى الأرض
بعد لايكا، أُجريت رحلات عودة. وتُعدّ بيلكا وستريلكا من أشهر الكلاب، فهما أول كلبين لا يكتفيان بالطيران إلى المدار فحسب، بل يعودان إلى الأرض سالمين معافين. وكانت رحلتهما على متن مركبة فوستوك 5V الفضائية عام 1960 نقطة تحوّل، إذ أكّدت إمكانية السفر إلى الفضاء دون إلحاق ضرر جسيم بالكائنات الحية.
جدول الرحلات الرئيسية:
| تاريخ | أسماء الكلاب | نوع الرحلة | نتيجة |
|---|---|---|---|
| 1957 | يحب | مداري | موت |
| 1960 | بيلكا وستريلكا | مداري | ناجح |
| 1961–1966 | العديد من أزواج الكلاب | تحت الحجاج | ناجح |
الحياة البرية بعد الرحلات الجوية
عاشت معظم الكلاب التي عادت بنجاح حياة طويلة. حتى أن ستريلكا أصبحت "أماً بطلة": فقد أُهدي أحد جراءها إلى السيدة الأولى الأمريكية جاكلين كينيدي. عززت هذه القصص نظرة الجمهور إلى رواد الفضاء من الحيوانات باعتبارهم أبطالاً حقيقيين.
كيف تم ضمان سلامة الكلاب؟
تم تطوير كبائن محكمة الإغلاق وأنظمة تهوية وأنظمة تغذية آلية خاصة بالحيوانات. وتم تزويد الكلاب بأجهزة استشعار بيولوجية لمراقبة معدل ضربات القلب ودرجة الحرارة. وقُدِّم الطعام على شكل مخاليط هلامية لمنعه من التفتت في ظروف انعدام الجاذبية.
كما تم تحسين المعدات وبدلات الفضاء باستمرار: من البدلات البسيطة إلى الكبسولات الواقية الكاملة المزودة بأنظمة إمداد الأكسجين.
مساهمة التجارب في العلوم والطب
أظهرت الأبحاث أن انعدام الوزن يؤثر على الجهاز القلبي الوعائي والتنفس ووظيفة التوازن. وقد طُبقت العديد من هذه النتائج في الطب، على سبيل المثال، في تطوير أساليب إعادة التأهيل للمرضى بعد العمليات الجراحية ودراسة آثار التثبيت لفترات طويلة على الجسم.
أدت هذه التجارب أيضاً إلى تطوير أنظمة إنقاذ حديثة تضمن هبوطاً سلساً وإخراجاً سريعاً للطاقم من الكبسولة.
توجد اليوم نصب تذكارية لـ"لايكا" و"بيلكا" و"ستريلكا" في روسيا وخارجها. تُخلّد أعمالهن البطولية في المتاحف، وأصبحت أسماؤهن رمزاً للخطوات الأولى في استكشاف الفضاء.
اقرأ أيضاً:
أضف تعليقًا